سهير زكي.. أول من رقصت على أغاني أم كلثوم وأصبحت أيقونة الرقص الشرقي التي وصلت إلى العالمية
توفيت اليوم السبت الموافق 2 مايو 2026 الفنانة الكبيرة سهير زكي عن عمر ناهز 81 عامًا إثر صراع طويل مع المرض، بعد مسيرة فنية طويلة تُعد من الأبرز في تاريخ الرقص الشرقي والسينما المصرية، حيث تركت إرثًا فنيًا ممتدًا عبر عقود، جمع بين الرقص والتمثيل، وارتبط اسمها بمرحلة ذهبية من تاريخ الفن في مصر.
النشأة والبدايات.. من المنصورة إلى القاهرة
وُلدت الفنانة سهير زكي، واسمها الحقيقي سهير زكي عبد الله، في 4 يناير 1945 بمدينة المنصورة، رغم أن أصولها تعود إلى صعيد مصر، وهو ما منحها مزيجًا ثقافيًا انعكس لاحقًا على أدائها الفني، حيث جمعت بين البساطة والقوة في الحضور. انتقلت في مرحلة مبكرة من حياتها إلى مدينة الإسكندرية، وهناك بدأت أولى خطواتها نحو الشهرة، قبل أن تتجه إلى القاهرة التي كانت تمثل آنذاك قلب الصناعة الفنية في العالم العربي، لتبدأ مرحلة جديدة من التألق والانتشار.
في القاهرة، شاركت في برنامج “أضواء المسرح”، الذي كان بمثابة منصة انطلاق للعديد من النجوم، كما قدمت عروضها في عدد من أماكن السهر الشهيرة، ما ساعدها على ترسيخ اسمها بسرعة في عالم الرقص الشرقي، خاصة مع امتلاكها أسلوبًا مميزًا جذب انتباه الجمهور والنقاد على حد سواء.

بصمة فنية مختلفة.. الرقص على أنغام أم كلثوم
شكّلت سهير زكي نقطة تحول حقيقية في تاريخ الرقص الشرقي، حيث كانت أول راقصة تؤدي رقصاتها على أغاني كوكب الشرق أم كلثوم، وهو ما اعتُبر وقتها خطوة جريئة ومختلفة تمامًا عن السائد، إذ نقلت الرقص من مجرد أداء إيقاعي إلى حالة فنية تعبيرية مرتبطة بالموسيقى الكلاسيكية العربية، وهو ما منحها مكانة خاصة بين أبناء جيلها.
هذا التطوير في الأسلوب لم يمر مرور الكرام، بل ساهم في إعادة تعريف الرقص الشرقي كفن راقٍ يمكن تقديمه في سياقات فنية وثقافية أكثر عمقًا، وهو ما جعلها واحدة من أبرز الأسماء التي ساهمت في تطوير هذا الفن خلال القرن العشرين.

حضور عالمي وعروض أمام قادة العالم
لم يقتصر نجاح سهير زكي على الساحة المحلية فقط، بل امتد إلى مستوى دولي، حيث قدمت عروضها في مناسبات رفيعة المستوى، من بينها حفلات زفاف أبناء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، كما أدت عروضًا أمام عدد من قادة العالم، من بينهم الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، وكذلك بحضور شاه إيران محمد رضا بهلوي.
وفي محطة مهمة من مسيرتها الدولية، زارت موسكو بدعوة من وزير الدفاع السوفيتي الجنرال أندري غريتشكو، وذلك خلال فترة حكم الرئيس ليونيد بريجنيف، ما يعكس حجم التقدير الدولي الذي حظيت به، ويؤكد مكانتها كواحدة من أبرز رموز الفن المصري في الخارج.
حياة شخصية مستقرة وزواج بعيد عن الأضواء
على المستوى الشخصي، تزوجت سهير زكي من المصور محمد عمارة، وعاشت حياة مستقرة بعيدًا نسبيًا عن صخب الأضواء، حيث فضّلت الحفاظ على خصوصية حياتها الأسرية رغم شهرتها الكبيرة، وهو ما انعكس على صورتها لدى الجمهور كفنانة تجمع بين النجاح المهني والاتزان الشخصي.
مسيرة سينمائية حافلة.. أكثر من خمسين فيلمًا
خلال مشوارها الفني، شاركت سهير زكي في أكثر من خمسين فيلمًا، جمعت فيها بين التمثيل والرقص، ونجحت في تثبيت حضورها كعنصر أساسي في العديد من الأعمال السينمائية، خاصة خلال فترة الستينيات والسبعينيات التي شهدت ذروة تألقها.
بدأت رحلتها السينمائية بفيلم “للنساء فقط” عام 1962، ثم توالت أعمالها في سنوات لاحقة مثل “عائلة زيزي” و”سنوات الحب” و”سجين الليل” و”ثمن الحب” و”الحسناء والطلبة” عام 1963، لتواصل بعدها تقديم سلسلة طويلة من الأفلام في عام 1964، من بينها “نهر الحياة” و”مطلوب زوجة فورا” و”دعني والدموع” و”حكاية جواز” و”حديث المدينة” و”أول حب” و”أنا وهو وهي”.
واستمرت مشاركاتها في أفلام مثل “مدرس خصوصي” و”ذكريات التلمذة” و”الشقيقان” و”6 بنات وعريس” عام 1965، ثم “حبي في القاهرة” و”العبيط” و”آخر العنقود” عام 1966، وصولًا إلى أعمال لاحقة مثل “بيت الطالبات” عام 1967، و”من أجل حفنة أولاد” و”كيف تتخلص من زوجتك” و”الشيطان” و”الرعب” عام 1969.
كما شاركت في أفلام “نار الشوق” و”صراع مع الموت” و”المجانين الثلاثة” عام 1970، و”مدرستي الحسناء” و”رجال في المصيدة” و”جسر الأشرار” عام 1971، و”وكر الأشرار” و”ملوك الشر” و”عماشة في الأدغال” و”الخطافين” عام 1972، و”أشرف خاطئة” و”أبناء للبيع” عام 1973.
وتواصلت أعمالها في “ليالي لن تعود” و”لعنة امرأة” و”الفاتنة والصعلوك” عام 1974، و”صائد النساء” و”سؤال في الحب” و”امرأتان” و”ألو أنا القطة” عام 1975، و”وبالوالدين إحسانا” عام 1976، و”عذراء ولكن” و”الولد الغبي” و”المرايات” و”الزوج المحترم” عام 1977.
كما ظهرت في أفلام “واحدة بعد واحدة ونص” و”سلطانة الطرب” و”الندم” و”الكلمة الأخيرة” و”القضية المشهورة” عام 1978، و”يمهل ولا يهمل” و”قصة الحي الغربي” و”الرقص على أنغام البارود” عام 1979، و”لست شيطانا ولا ملاكا” و”فتوة الجبل” عام 1980، و”القرش” عام 1981، و”عروسة وجوز عرسان” و”تجيبها كده تجيلها كده هي كده” عام 1982.
واختتمت مسيرتها السينمائية بأعمال مثل “إن ربك لبالمرصاد” و”الراجل اللي باع الشمس” و”الذئاب” و”الجواز للجدعان” عام 1983، ثم “أنا اللي أستاهل” عام 1984.

مشاركات درامية في التلفزيون
لم تقتصر أعمالها على السينما فقط، بل شاركت أيضًا في عدد من المسلسلات التلفزيونية، من بينها “القط الأسود” عام 1964، و”الرجل ذو الخمسة وجوه” عام 1969، و”الشاطئ المهجور” عام 1975، و”فرصة العمر” عام 1976، حيث أظهرت قدراتها التمثيلية إلى جانب موهبتها في الرقص.
الاعتزال ونهاية الرحلة
في أوائل التسعينيات، قررت سهير زكي اعتزال الفن بعد مسيرة طويلة امتدت لعقود، كانت خلالها واحدة من أبرز نجمات الرقص الشرقي في مصر والعالم العربي، حيث تركت خلفها تاريخًا فنيًا غنيًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الجمهور.
برحيلها اليوم، يفقد الوسط الفني واحدة من أيقوناته البارزة، التي ساهمت في تشكيل ملامح مرحلة كاملة من تاريخ الفن، ونجحت في ترك بصمة لا تُنسى، سواء من خلال أعمالها السينمائية أو أسلوبها المتفرد في الرقص.