من «4M» إلى الشاشة.. رحلة مها أبو عوف الفنية وتجارب الزواج في حياتها

مها أبو عوف
مها أبو عوف

تحل اليوم ذكرى رحيل الفنانة مها أبو عوف، إحدى أبرز الوجوه النسائية التي تركت بصمة خاصة في السينما والدراما المصرية، ليس بالضجيج أو البطولة الصاخبة، بل بالحضور الهادئ والأداء الصادق، ما جعلها قريبة من وجدان الجمهور على مدار عقود.

امتلكت مها أبو عوف ملامح فنية مميزة، وقدرة على تجسيد الشخصيات الرقيقة والعميقة في آن واحد، لتصبح نموذجًا للفنانة التي تترك أثرًا طويل المدى بأدوات بسيطة وإحساس عالٍ.

نشأة فنية في بيت يجمع بين الانضباط والإبداع

وُلدت مها أبو عوف في القاهرة أواخر خمسينيات القرن الماضي، ونشأت في أسرة جمعت بين الانضباط العسكري والموهبة الفنية، حيث كان والدها الضابط والملحن أحمد شفيق أبو عوف، بينما مثّل شقيقها الأكبر الفنان الراحل عزت أبو عوف أحد أعمدة الدعم الفني والمعنوي في حياتها.

هذا المناخ العائلي المتوازن ساهم في تشكيل شخصيتها الفنية، ومنحها وعيًا مبكرًا بأهمية الالتزام والاختيار الواعي، سواء في الحياة أو في العمل الفني.

مها أبو عوف
مها أبو عوف

من الغناء الجماعي إلى التمثيل الراقي

بدأت مها أبو عوف مشوارها الفني من بوابة الغناء، من خلال فرقة «فور إم» التي أسستها مع شقيقاتها وشقيقها عزت، وقدّمت الفرقة لونًا موسيقيًا مختلفًا أعاد تقديم التراث بروح معاصرة، وحقق انتشارًا واسعًا داخل مصر وخارجها.

ومع توقف نشاط الفرقة، اتجهت مها إلى التمثيل، لتبدأ رحلة جديدة في السينما والتلفزيون، استطاعت خلالها أن تثبت نفسها كممثلة تعتمد على الإحساس والصدق، بعيدًا عن المبالغة، مقدمة أدوارًا إنسانية تركت بصمة واضحة لدى الجمهور.

مسيرة درامية وسينمائية حافلة بالأعمال المؤثرة

شاركت مها أبو عوف في عدد كبير من الأعمال الفنية التي تجاوزت المئة عمل، تنوعت بين السينما والمسرح والدراما التلفزيونية، وبرزت بشكل خاص في أدوار الأم والمرأة الهادئة ذات العمق النفسي.

وقدمت أعمالًا سينمائية لافتة، إلى جانب حضور قوي في الدراما التلفزيونية، حيث نجحت في ترسيخ صورة الفنانة التي تضيف للعمل دون أن تفرض نفسها عليه، وكان آخر ظهور لها على الشاشة قبل رحيلها بفترة قصيرة، مؤكدة حتى النهاية التزامها بالفن.

حياة إنسانية مليئة بالتحديات والصبر

لم تكن حياة مها أبو عوف بعيدة عن الصعوبات، فقد مرت بتجارب إنسانية قاسية، من فقدان شريك حياتها في بداية زواجها الأول، إلى رحلة طويلة من الانتظار لتحقيق حلم الأمومة، وصولًا إلى صراعها مع المرض في سنواتها الأخيرة.

ورغم ذلك، احتفظت بصورة الفنانة الهادئة المتصالحة، التي لم تُحوّل معاناتها إلى استعراض، بل انعكست على أدائها الفني بنضج وصدق أكبر.

مها أبو عوف
مها أبو عوف

زيجات مها أبو عوف.. محطات إنسانية قاسية صنعت نضجها الفني

لم تكن الحياة الشخصية للفنانة مها أبو عوف بعيدة عن التقلبات والصدمات، بل شكّلت زيجاتها المتعاقبة محطات إنسانية مؤثرة، انعكس أثرها بوضوح على شخصيتها الهادئة ونضجها الفني في مراحل لاحقة.

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ارتبطت مها أبو عوف بالموسيقار وعازف الجيتار الشهير عمر خورشيد، بعد قصة حب أثارت آنذاك حالة من الجدل داخل الوسط الفني وخارجه، خاصة في ظل فارق السن بينهما، وهو ما قوبل ببعض الاعتراضات، إلا أن تمسكهما بالعلاقة تُوّج بالزواج مطلع عام 1981.

لكن هذه الزيجة لم تكتب لها الاستمرارية، إذ توفي عمر خورشيد بعد أشهر قليلة فقط في حادث سيارة مأساوي، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياة مها أبو عوف، خاصة أنها كانت حاملًا في شهرها الرابع وقتها، قبل أن تفقد جنينها لاحقًا، ما أدخلها في حالة حزن وانكسار نفسي شديد.

تسببت هذه الصدمة المزدوجة في ابتعاد مها أبو عوف عن الساحة الفنية لقرابة ثلاث سنوات، فضّلت خلالها العزلة والابتعاد عن الأضواء، قبل أن تعود تدريجيًا للحياة والعمل، وقد تركت هذه التجربة أثرًا بالغًا في شخصيتها، انعكس لاحقًا في اختياراتها الفنية الهادئة وأدائها الإنساني العميق.

لاحقًا، تزوجت مها أبو عوف للمرة الثانية من رجل أعمال من خارج الوسط الفني، ووصفت هذه المرحلة بأنها أكثر استقرارًا على المستوى الإنساني، وشهدت خلالها تحقيق حلم الأمومة بعد رحلة طويلة استمرت نحو خمسة عشر عامًا، كانت خلالها فرص الإنجاب ضعيفة طبيًا، قبل أن تُرزق بابنها الوحيد «شريف»، وهي التجربة التي اعتبرتها واحدة من أعظم محطات حياتها.

وفي مرحلة لاحقة، ارتبطت مها أبو عوف للمرة الثالثة بعمر المنزلاوي، حيث حرصت خلال هذه الزيجة على الابتعاد عن الأضواء الإعلامية، مفضّلة الحفاظ على خصوصية حياتها الشخصية، في انسجام مع طبيعتها الهادئة ورفضها الدائم لاستعراض تفاصيل حياتها الخاصة.

رحيل هادئ وذكرى باقية في الوجدان

رحلت مها أبو عوف عن عالمنا في السادس من يناير عام 2022، بعد صراع مع المرض، تاركة خلفها مسيرة فنية راقية، واسمًا ارتبط بالأناقة والبساطة والاختيار الواعي.

ولا تزال أعمالها حاضرة في ذاكرة المشاهدين، شاهدة على فنانة آمنت بأن الفن رسالة تُقدَّم بهدوء، وتصل بصدق.

تم نسخ الرابط